القائمة الرئيسية

الصفحات

ممرّض في حيص بيص (8).. بين التّعيين المشؤوم والإرث المسموم.




جلسَت والخوف بعينيها تتأمّل تعييني المشؤوم، قالت يا ولدي لا تحزن، فالبلاء على أمثالك هو المكتوب، كلمات لم تنبس بها الشّفتان القرمزيّتان ولكن عبّرت عنها نظرات الأسف وملامح الحزن التي بدت على وجه سيّدة المكتب المجاور فور خروجنا من عرض مسرحيّة قطعنا أميالا بين الأمس واليوم لحضورها، وأمضينا أشهرا وأسابيع نترقّب موعدها، ألّف فصولها جنود الخفاء وأخرجها المسؤول الإقليمي بمساعدة الطّاقم المرافق له، قام بتشخيصها زملاء وأصدقاء لنا واكتشفت أنّني أدّيت فيها ودون رغبة منّي دور الكومبارس، حيث جلس البطل- المخرج على كرسيّه الفخم الوثير يدور يمنة ويسرة ليخيّرني بين أسوء موقعين من ضمن أربعة شاغرة، وبحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه نلت أسوأهما بعد أن هوّن المسافة ببن مكتبه الفخم وبين الدّوار حيث سأشتغل بتعابير معرنسة مثل (موطوريزي) و (فول دو وازو)، أما الآخران فكانا من نصيب آخريْن بفعل طاقيّة الإخفاء و بمبرّر تاء التأنيث.
إذا كان تعيين الممرّضين اليوم يتمّ عن طريق الاختيار المباشر لمقرّ العمل وحسب الاستحقاق، أو على الأقل هذا ما يبدو، فإنّه قبل عشرين سنة كان يتمّ بطريقة إحالة أوراق المرشّح على فضيلة المفتي الإقليمي من طرف المسؤول المركزي، وإذا كان ذلك يفتح في كثير من الأحيان بابا لممارسة الحيف والظّلم في حقّ من لا واسطة له يستند من خلالها إلى قوّة معنويّة أو نقابيّة أو سياسيّة حزبيّة أو إلى قوّة ماديّة عينيّة، فإنّ الأشدّ مضاضة هو الظّلم الذي يمارسه جيل الممرّضين وغيرهم من المهنيّين في القطاع في حقّ الجيل الذي يليه، سواء مباشرة حين يتقاطع الزّمن المهنيّ بين الجيلين، أو عن بُعد بواسطة ما ترسّخ من عادات وأعراف في انتظارات المرتفقين كخدمات صحيّة تمارس في المؤسّسات الصّحيّة، والتي تصبح حقّا مكتسبا وإرثا يورّث بين الأجيال، كما يورّثه السّلف للخلف بين عموم الموظّفين، إرث مسموم يتجرّعه كلّ مهنيّ حديث عهد بالتّعيين ولا يكاد يسيغه، يتجرّعه ببطء شديد، الجرعة تلو الجرعة والقطرة تلو القطرة، فيكون مصيره إمّا التّعوّد والتّطبيع والسّلام المزيّف مع السُّميّة، وإمّا تطوير ترياق ذاتي يحقّق المقاومة والشّفاء، أو ينهي المعركة بأخفّ الخسائر.
(هابتيد دو سيرفيس) أو عادات المصلحة، كلمة جامعة سمعت عنها خلال سنوات التّكوين، وشهدتها رأي العين في أوّل يوم أهلّ فيه هلال الحياة المهنيّة، كلمة تعبّر باختزال بديع عن ذلك الإرث الملغوم الذي خرق عمليّا ما تعلّمته نظريّا، وجعلني أضرب الأخماس في الأسداس قبل الانتباه من ذهول شرخ وسّع الهوّة بين مقعد الدّراسة والتّكوين وموقع الواقع والممارسة المهنيّة، وحين ناظرت حرّاس الإرث المرصود إلى المراجع القديمة والمعلومات الحديثة قيل لي إنّ المرتفق سيّد وجب تلبيّة ما جاء من أجله حتى لو كان ذلك مخالفا لمصلحته وانتهى الكلام.
فسترى مثلا إصرارا مجنونا على التّداوي بالحقن، وحتى إن بدا لك أنّها ستكون بديلا عن أرفع أنواع الأدويّة فلا تهتم ولا تغتم، و لا تقاوم سابحا ضدّ التّيّار، وإن لم تجد دواء مناسبا فاحقن القوم بما توفّر لديك لأنّ الغاية هي إرضاء الجمهور و هو يريد ذلك كذلك. وقد تُطلب منك خدمات صحيّة هي في الأصل من اختصاص الطّبيب أو من اختصاص المستشفى فاجتهد للقيّام بها كما يفعل جيرانك في المستوصفات الأخرى وكما كان يفعل الممرّض الذي سبقك، وإن لم تفعل فما بلّغت رسالتك، ولك إسوة حسنة في الممرّض الموسوعة الذي يقوم ببعض العمليّات الجراحيّة الخفيفة أو يقوم بتوليد النّساء، أو يقدّم خدمات أخرى مشابهة لم تورده المهالك كما يعتقد البعض، بل ساهم بها في إرساء السّلم الاجتماعي، و قد يأتيك زوّار المركز الصّحّي يحملون بعض "الهدايا" العينيّة أو النقديّة فلا ترفضها ولا تردّها إليهم بمبرّر أنّها رشوة حرّمها الخالق قبل أن يشرّع المخلوق قوانين لمحاربتها، و إن فعلت فستجرّ على نفسك تهمة البدعة وعداء الزّملاء، و تهمة الحمق والغباء من طرف السّاكنة.
جرت العادة أن يتلقّى بعض المواطنين خدمات صحيّة داخل بيوتهم لهذا السّبب أو ذاك، فَسِر على خطى سلفك ولا تخالف بنفسك عن نهجهم، وسيُطلب منك المشاركة في الوحدة المتنقّلة سواء في إطار الصّحّة المدرسيّة أو من أجل تعميم التّلقيح، أو تغطيّة مناطق بعيدة عن المؤسّسات الصّحيّة أو في إطار حملة وطنيّة لتطعيم فئة عمريّة من السّكّان بتلقيح جديد أو غير ذلك من الأنشطة الخارجيّة المتعدّدة، فلا تدقّق في التّفاصيل الخاصّة بوسائل النّقل، من حيث ملكيّتها للدّولة أو للجماعة التّرابيّة أو لخواص قد يكونون من المشتغلين بالنّقل السّرّي، أو من حيث توفّرها على الوثائق القانونيّة بالنّسبة للسّائق والسّيّارة أو من حيث حالتها الميكانيكيّة، ولا تلتفت لوسواس التّفاصيل الذي سيحدّثك عن أسطورة الحقّ والقانون والسّلامة الطّرقيّة.
وستلاحظ أنّك تشتغل بتوقيت لا مثيل له على وجه الكرة الأرضيّة و ستكتشف أنّ التّوقيت الإداري أصبح بالنّسبة لك، كممرّض يشتغل في مركز صحيّ في أعالي الجبال، خرافة لا يؤمن بها السّكان لأنّك صرت مِلكا لهم ورهن إشارتهم أربعا وعشرين ساعة في اليوم وسبعة أيّام في الأسبوع منذ وُقّع مقرّر تعيينك، أصبح خرافة بالنّسبة للإدارة حيث يُهمس لك أنّ السّكن الوظيفي هو المؤشّر على أنّك ستشتغل بنظام خليط (باناشي) من التّوقيت العادي والمستمر مقوّى بنظام الحراسة والإلزاميّة، مع العلم أنّ السّكن الوظيفي ليس مجّانيّا و ساعات العمل الإضافيّة غير مؤدّى عنها، ويجب أن تعتبره خرافة كما اعتبره الذي سبقك كذلك مجبرا كان أو بطلا أو لحاجة في نفس يعقوب.
إن كانت هذه الأفعال النّاقصة المذكورة على سبيل المثال، وأخواتها التي لا حصر لها، يمجّها القانون المكتوب تشريعا والعقل المقروء منطقا، فإنّ من الإنصاف الإشارة إلى وجود أعراف حسنة رسّخها بعض المهنيين حولهم وقدّموها لمن جاء بعدهم على طبق من ذهب، ولكن نذرتها تجعل منها أحجارا كريمة ترصّع أثوابا رثّة باليّة، وعلى الرّغم من ذلك فهي بمثابة خطوة الألف ميل في طريق التّغيير، وبمثابة المشجّع على المشاركة فيه جهد المستطاع، والمساهمة في غرس نبتة طيّبة وترك بصمة مضيئة للأجيال القادمة، والمحفّز على الأخذ بسنّة التّدافع التي فطر الله عباده عليها اتقاء فساد لا يستثني أحدا.

--------- عبد العزيز غياتي ---------
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات